سُلوى النفس في جَفاء الكمال ولُطف النقص
الكمالية في منظور علم النفس: أبعادها، أسبابها، وسبل التعامل معها
Perfectionism for Wysokie Obcasy Extra
بداية:
لا أدري متى بدأ كل ذلك، ولا متى انتهى بالضبط.
لكني، بطريقة ما، توقفت عن أن أكون غاضبة لأن الأمور لا تحدث كما أريد -أي كما ينبغي لها أن تكون في تصوّري المثالي-
صرت أتعامل معها كما هي: أقدم ما أستطيع بإحسان، بمحبة، وبجهد صادق.
أدركتُ أخيرًا أن ليس كل ما أقوم به يجب أن يكون مثاليًا، ولماذا عليه أن يكون كذلك أصلًا؟ ونحن نعيش في عالم لم يكن يومًا مثاليًا، بل هو عالم متوازن، هادئ، يسير في وتيرة منظمة، وهذا بحد ذاته نوع من الكمال الذي أبدعه الخالق.
ومع ذلك، لن أخدع نفسي؛ فما زلت أصارع نفسي لأتقبل إنسانيتي وبشريتي، وأستوعب أنني لست كاملة، ولا ينبغي لي أن أكون كذلك.
لم أصل إلى هذا التصالح بعد يوم أو يومين، ولا حتى بعد عام أو عامين، بل جاء بعد موجات من الغضب لأن روتين يومي لم يسر كما خططت له، وبعد نوبات من القلق والضغط النفسي لأنني أريد تسليم كل مشروع في وقته وبأبهى صورة ممكنة -والمفارقة أنني لم أكن أرى شيئًا مثاليًا قط-
لم أستطع الاستمتاع بالرحلة أبدًا؛ كنت أراها فقط متاهة بلا نهاية،
وأسأل نفسي دومًا: لماذا لا أجد الطريق؟ وإن وجدته، لماذا لا أستمتع به كما يفعل الآخرون؟
ثم، فجأة، عصفت بي الحياة حتى وجدت نفسي على الشاطئ مؤمنةً بنقصي، مدركةً أنه ليس بالضرورة أن يكون الإنسان المنظم كاملًا أو مثاليًا.
يكفي أن يضع الإخلاص والإحسان في عمله، وسيزدان ذلك العمل بالصدق والمحبة ويغدو حسنًا تلقائيًا.
منذ أسبوع، تعمّدتُ أن أفوّت موعد مقالتي، لأذكّر نفسي أنه لا بأس إن حدث خلل في خطتي ولم تكن مثالية.
لا أريد أن أضع نفسي تحت الضغط لمجرد أنني “يجب” أن أفعل ذلك.
وهذا أعادني قليلًا إلى تلك الأيام التي كنت فيها رهينة عقلية المثالية -ولازلت أحتفظ ببعضها ولكن بشكل أخف وألطف-
فقررت أن أقرأ أكثر عن الكمالية، وأحاول تلخيصها وفهمها من ناحية نفسية
وهنا ما توصلت إليه
.
.
.
الكمالية في علم النفس
الكمالية (Perfectionism) هي سمة شخصية تدفع الفرد إلى السعي نحو المثالية المطلقة وعدم القبول بأي نقص أو عيب. يضع الشخص الكمالي معايير أداء عالية جدًا لنفسه، ويقيس قيمته الذاتية بمدى إنتاجيته وإنجازاته. غالبًا ما تصاحب هذه السمة تقييمات ذاتية شديدة القسوة وخوف مستمر من انتقادات الآخرين وتقييماتهم. بمعنى آخر، يسعى الكمالي إلى الخلو من الأخطاء بشكل تام ويشعر بالضيق عند حدوث أي خلل بسيط، مما قد يجعله في حالة توتر وقلق دائم بشأن جودة أدائه ومدى رضى الآخرين عنه.
الأبعاد الرئيسية للكمالية
توصل علماء النفس إلى أن الكمالية ظاهرة متعددة الأبعاد وليست نمطًا واحدًا بسيطًا. من أبرز النماذج التي تصف أبعاد الكمالية:
نموذج هيويت وفليت (1991): يقترح هذا النموذج وجود ثلاثة أبعاد للكمالية:
الكمالية الموجهة ذاتيًا (Self-Oriented Perfectionism): وفيها يضع الفرد معايير صارمة عالية لنفسه ويسعى إلى تحقيقها دون تقصير. هذا النمط يتميز بدافع داخلي قوي للامتياز ونقد ذاتي مستمر عند الفشل في بلوغ تلك المعايير.
الكمالية الموجهة نحو الآخرين (Other-Oriented Perfectionism): وهي نزعة الفرد لوضع معايير غير واقعية وتوقعات عالية للآخرين من حوله. الشخص هنا ينتقد أداء الآخرين بقسوة إذا لم يرقَ لمستوى معاييره، مما قد يسبب توترًا في العلاقات الاجتماعية.
الكمالية المحددة اجتماعيًا (Socially Prescribed Perfectionism): وتعني شعور الفرد بأنه مُطالَب من قبل المجتمع أو الأشخاص المهمين في حياته بأن يكون مثاليًا طوال الوقت. في هذا البعد، ينبع سلوك السعي للكمال من اعتقاد الشخص أن الآخرين لن يقبلوه إلا إذا كان كاملاً، فيحاول تلبية معايير صارمة مفروضة عليه اجتماعيًا.
مقياس فروست للكمالية (1990): طوَّر الباحث فروست وزملاؤه مقياسًا يقيس ستة جوانب أساسية للكمالية، هذه الأبعاد الستة تشرح ملامح الكمالية بمزيد من التفصيل:
القلق بشأن الأخطاء: انشغال مبالغ فيه بالأخطاء البسيطة والخوف من ارتكابها، حيث يُنظر لكل خطأ على أنه كارثة كبرى.
المعايير الشخصية الصارمة: وضع معايير عالية جدًا للأداء الشخصي تتجاوز ما هو واقعي أو مطلوب، والشعور بالإحباط عند عدم الوصول إليها.
الشكوك حول الأداء: الشك الدائم في جودة ما ينجزه الشخص، وعدم الرضا عن النتائج حتى لو كانت جيدة، والتفكير المستمر بأنه "كان يمكن أن يكون أفضل".
توقعات الوالدين: شعور الفرد بوجود توقعات عالية جدًا من والديه بضرورة النجاح والكمال في كل شيء، مما يولد ضغطًا نفسيًا كبيرًا لخوفه من خيبة أملهم.
نقد الوالدين: الإدراك أو التعرض لانتقادات مستمرة وقاسية من الوالدين على الأخطاء أو الأداء دون المثالي، فينشأ الشخص معتقدًا أنه غير مقبول إلا بالأداء الكامل.
التنظيم المفرط: الاهتمام الزائد بالتنظيم والترتيب والتفاصيل الصغيرة بصورة تصل أحيانًا إلى الحد الوسواسي، حيث يُربط النظام الصارم والشكل المثالي للشؤون اليومية بالشعور بالسيطرة والرضا.
هذه الأبعاد المختلفة تتفاعل مع بعضها لتشكّل الصورة العامة للكمالية لدى الشخص. وقد وجدت الدراسات أن بعض هذه الأبعاد تكون مرتبطة أكثر بالجوانب السلبية (مثل القلق من الأخطاء والنقد الذاتي المرتفع)، فيما يرتبط بعضها الآخر بجوانب قد تكون إيجابية نسبيًا (مثل وضع أهداف عالية والسعي للإنجاز). ولذلك يقسّم الباحثون أحيانًا الكمالية إلى عاملين عامّين:
مخاوف الكمالية (وتشمل القلق الزائد من الفشل ومن أحكام الآخرين) والسعي للكمال (ويتعلق بوضع أهداف طموحة والاجتهاد لتحقيقها).
“Perfectionism” by Michal Dziekan
نشأة الكمالية: العوامل الوراثية والأسرية والتربوية والاجتماعية
تتشكل نزعة الكمالية لدى الإنسان عبر تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والبيئية منذ الصغر. فقد بينت الدراسات أن العامل الوراثي يفسر نحو 23% إلى 30% من الكمالية الموجهة للذات، وقرابة 39% إلى 42% من الكمالية المفروضة اجتماعيًا. هذا يعني أن بعض الأفراد لديهم ميل بيولوجي ليكونوا أكثر كمالية من غيرهم، لكن العامل الحاسم يظل في التربية والبيئة المحيطة.
تلعب الأسرة الدور الأكبر في غرس الكمالية، حيث يتعلم الطفل من والديه مباشرةً ما إذا كان الخطأ مقبولًا أم لا. فإذا كان الوالدان ينتقدان الطفل باستمرار أو يقارنان أداءه بغيره، أو يربطان الحب بالتفوق والإنجاز، يترسخ لديه شعور بأن قيمته مرهونة بالكمال. كذلك، تُسهم التربية الصارمة، وتوقعات الأهل العالية جدًا، والشعور الدائم بعدم الرضا أو النقص، في دفع الطفل للسعي وراء المثالية تفاديًا للرفض أو العقاب.
ولا يقتصر الأمر على الأسرة فقط، بل يمتد إلى المدرسة والبيئة التعليمية، حيث يواجه الطلاب ضغوطًا كبيرة للنجاح والحصول على أعلى الدرجات، ويُربط التفوق بمكانتهم الاجتماعية. كما أن الثقافة المجتمعية تلعب دورًا؛ فالمجتمعات التي تركز بشكل مفرط على النجاح الفردي وتبالغ في رفض الفشل، تعزز لدى أبنائها الحاجة لأن يكونوا دائمًا مثاليين.
وبذلك تتكون الكمالية في الفرد من نسب وراثية واضحة، لكن الغالب أن التجارب اليومية في الأسرة والمدرسة والمجتمع هي ما تغذي هذا النمط وتجعله راسخًا في الشخصية، خاصة إذا كان هناك نقد مستمر أو ضغط متواصل لتحقيق التميز في كل جانب من جوانب الحياة.
ما الذي يغذي الكمالية ويزيد من حدتها؟
رغم أن ميول الكمالية قد تتكوّن لدى الإنسان في الصغر، إلا أن هناك عوامل حديثة تزيد من شدتها وتجعلها أكثر ضغطًا، مثل:
ضغط الإنجاز والتنافس: يعيش الناس اليوم في بيئة تنافسية تتطلب التفوق الدائم سواء في الدراسة أو العمل. هذا الضغط المستمر على الإنجاز يدفع الكثيرين للسعي وراء الكمال بلا توقف. وقد أظهرت دراسات حديثة أن الأجيال الشابة أصبحت أكثر كمالية من ذي قبل، وتنتقد نفسها بقسوة نتيجة ارتفاع معايير المجتمع وكثرة المقارنات .
وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام: في العصر الرقمي، يتعرض الأفراد يوميًا لصور حياة مثالية عبر المنصات الاجتماعية والإعلام، مما يعزز لديهم فكرة أن الكمال هو المطلوب. المقارنات المستمرة بهذه النماذج المنمقة تدفع الشخص لمجاراة معايير غير واقعية، وتؤدي أحيانًا إلى التدقيق المفرط في المظهر والسلوك والإنجازات، بحثًا عن رضا الآخرين .
توقعات الأهل والمحيط المستمرة: حتى مع التقدم في العمر، قد تظل توقعات الأهل أو المدراء أو الشركاء مرتفعة، فيطالبون بالكمال في كل شيء ولا يتسامحون مع الخطأ، ما يجعل الشخص يعيش في قلق مستمر من الفشل، ويبقى عالقًا في دائرة الكمالية بدلًا من التخفف التدريجي منها.
Perfectionism among teachers - Jenna Arts
الكمالية الصحية مقابل الكمالية السامة
من المهم التمييز بين نوعين من الكمالية: أحدهما يمكن اعتباره صحيًا أو مفيدًا إلى حد ما، والآخر سام وضار نفسيًا وهما:
1. الكمالية الصحية (التكيفية):
هي السعي للإتقان والتفوق بشكل متوازن ومرن. الشخص الكمالي الصحي يضع أهدافًا عالية ويسعى لتحقيقها بإخلاص، لكنه يتقبل الأخطاء ويتعلم منها ولا يجلد نفسه عليها. هذا النمط يشجع على النجاح والنمو الشخصي، ويرتبط بانخفاض مستويات التوتر وارتفاع الرضا عن الحياة. هنا تصبح الكمالية حافزًا إيجابيًا دون أن تُلغي مساحة الخطأ والتجربة.
2. الكمالية غير الصحية (اللاتكيفية أو السامة):
هي الوجه السلبي للكمالية، حيث يصبح الشخص مهووسًا بالكمال، ويرى أي خطأ كفشل ذريع لا يُغتفر. في هذه الحالة، يظل الشخص قلقًا ومتوترًا باستمرار، ويجلد ذاته على كل تقصير مهما كان بسيطًا. تشير الدراسات إلى أن هذا النوع يرتبط بمشكلات نفسية عديدة مثل القلق، الاكتئاب، الوسواس القهري، وحتى زيادة الأفكار الانتحارية. قد يبدو الشخص ناجحًا أمام الناس، لكنه يعاني داخليًا من ضغط نفسي دائم وشعور بعدم الكفاية، وقد ينتهي به الأمر إلى الاحتراق النفسي وفقدان الاستمتاع بالحياة .
استراتيجيات التعامل مع الكمالية غير الصحية
إذا وجدت نفسك أو شخصًا يهمك عالقًا في فخ الكمالية السلبية وما يسببه من توتر وضغط، فهناك العديد من الأساليب المجربة في علم النفس التي تساعد على التخفيف من حدة الكمالية وتحويلها إلى اتجاه أكثر صحة وتوازنًا:
1. العلاج المعرفي السلوكي (CBT):
يُعد من أكثر الأساليب فعالية في علاج الكمالية. يركز هذا العلاج على تعديل الأفكار غير الواقعية حول الكمال، ويُعرّض الشخص تدريجيًا لمواقف يؤدي فيها أداءً "جيدًا كفاية" دون مثالية، مما يُثبت له أن الحياة تستمر وأن النتائج لا تزال إيجابية. أظهرت دراسات حديثة أن برامج CBT المصممة للكمالية تُقلل أعراض الكمالية والقلق والاكتئاب المصاحب لها .
2. تقبل الذات والتعاطف الذاتي:
من المهم أن يتعلم الفرد تقبل نفسه، ويعي أن الكمال ليس شرطًا للقيمة الشخصية. ممارسة التعاطف مع الذات (Self-Compassion) ثبت علميًا أنها تقلل من أثر الكمالية السلبية والتوتر، وتمنح الشخص قدرة أكبر على التعامل مع الفشل كفرصة للتعلم والنمو .
3. وضع أهداف واقعية وتدريب المرونة:
ينصح بتعديل المعايير الشخصية لتصبح مرتفعة ولكن واقعية وقابلة للتحقيق، مع تقسيم المهام الكبيرة إلى خطوات أصغر. السماح بالنقص أو الإخفاق دون تهويل النتائج يساعد على بناء مرونة ذهنية، ويقلل من الخوف من الفشل.
4. إعادة التوازن بين الحياة والإنجاز:
من المهم إعطاء وقت للراحة والهوايات والعلاقات الاجتماعية، وعدم حصر قيمة الذات في الإنجازات فقط. تحقيق التوازن بين العمل والمتعة يخفف من ضغط الكمالية ويعزز جودة الحياة.
5. تحدي التفكير القطبي (الأبيض/الأسود):
يفيد الانتباه للأفكار المطلقة (نجاح/فشل) واستبدالها بتصورات أكثر واقعية ومرونة، كأن يدرك الشخص أن النجاح درجات وليس أبيض أو أسود، وأن الجيد يكفي أحيانًا.
6. طلب الدعم النفسي عند الحاجة:
إذا أصبحت الكمالية عائقًا كبيرًا أو سببًا للاحتراق النفسي أو الاكتئاب، يجب التوجه لمختص نفسي. العلاج الفردي أو مجموعات الدعم تساعد كثيرًا في رؤية الأمور بموضوعية وتعلم أساليب التعامل الصحيحة.
—
في النهاية،
الكمال المطلق ليس لنا، ولا يُطلب منا أن نبلغ غاية لا تطالها أيدينا.
يكفي أن نسعى للأفضل ونحن نصافح نقصنا برفق، ونعانق إنسانيتنا كما هي.
الكمالية سلاح ذو حدين؛ إن ضبطناها بوعي صارت دافعًا للإتقان، وإن أطلقنا لها العنان صارت عبئًا يثقل الروح.
فكن رفيقًا بنفسك كما أنت طموح لها، ودع في حياتك هامشًا صغيرًا للخطأ؛ فهذا الهامش هو المساحة التي ننمو فيها، ونكتشف أنفسنا، ونتعلم كيف نحب الحياة كما هي.
ربما تكون المثالية الحقيقية، في نهاية المطاف، هي أن نقبل عدم الكمال…
ونسير مطمئنين في دروبنا، مهما كانت ناقصة.




بارك الله فيك
المقال جميل جدا ويمس كثير من الناس
يبدو كما لو أن حب الكمال عقد هذا الجيل
مُمتنة ع هالمقال الرائع 💛