الهوية الثقافية المتعددة: أن يسكن فيك موطنان
قراءة في الهوية الثقافية المتعددة للمغتربين
قصة:
بين قصيدتي:
"حبيبتي نجد، عيني فيك معذورة"
و"لا تعذّبني وإلّا سِرت وتركت المُكلا لك"
كنت أتأرجح.
في عام 2016 كانت آخر مرة نزلت فيها إلى اليمن، والمرة التي سبقتها كانت قبل عشر سنوات تقريبًا، أي في 2006 أو 2007.
في طريق الذهاب، كنت متحمسة لأني سأقابل أهلي الذين لم أرهم منذ مدة. ودّعت بعضًا من عائلتي في الرياض، وذهبنا.
وفي العودة، بعد شهرٍ قضيته في اليمن، ودّعتُ أهلي هناك أيضًا، ولكن بحماس هذه المرة لأنني سأعود إلى الرياض.
حزنت قليلًا لأنني سأفارق وطني، ذاك الذي لا أعلم متى سأعود لزيارته، لكن... وما إن اقتربنا من الحدود السعودية حتى انشرح صدري،
وما إن دخلت الرياض، إذ بي أغنّي وأدندن: "ما أرق الرياض تالي الليل".
وهنا، لم يكن سؤالي عن الوطن، فالجواب عليه مفروغ منه،
بل كان سؤالي عن الهوية الثقافية:
ما هي؟
هل هي العادات والتقاليد؟
ومن أين تولد؟
وكيف يتشكّل الإنسان معها؟
وُلدتُ في بيتٍ يتحدث فيه أبي بلهجةٍ حجازية، فقد ترعرع هناك.
أمي أيضًا متأثرة بها، مع القليل من اللهجة الحضرمية اليمنية.
أتناول المعطّف واللحوح في الصباح، ثم أذهب إلى المدرسة حيث أردد: "سارعي للمجد والعلياء...".
أتعرف أكثر إلى قبيلة صديقتي: هل هي من دواسر الأفلاج أم من الوادي؟
ثم أتحدث مع صديقتي العتيبية، التي كانت تخبرني أن أهلها يهتمون بمسابقات الهجن والصياهد.
وعندما أعود، أرى أن أمي قد أعدّت صيادية فاخرة، وابي يتحدث عن تاريخ يافع في اليمن.
ثم أعود لحل واجبي الذي يتحدث عن توحيد المملكة على يد الملك المؤسس عبدالعزيز.
في المساء، يفتح أبي التلفاز لنشاهد معًا مسرحية لعادل إمام.
هكذا كان عمري، بين البيت والمدرسة والعمل والأصدقاء.
لم أكن أدرك "الفرق" حقًا.
بل كنت أشعر أنني وعاءٌ كبير، قادرٌ على أن يحوي الكثير، ويتّسع للكثير.
مثلما كانت قهوة المغرب "بالطريقة السعودية" مميزة في منزلنا،
كان الشاي العدني كذلك.
ومثلما كان صوت طلال مداح ومحمد عبده يتردد في مسامعنا،
كان أيضًا صوت أبوبكر سالم وفيصل علوي حاضرًا.
ومع هذا، لا أنسى القهوة التركية من جارتنا الفلسطينية،
ولا انفتاح أبي على الفنون المصرية والمسلسلات السورية.
لم أشعر، ولو ليومٍ واحد، أنني أتعرض لنوعٍ واحدٍ من الثقافة،
ولم أشعر، ولو ليومٍ واحد، أنني محدودة.
ومع ذلك، كان هناك شيءٌ ما...
شيءٌ يربطني بهذه الأرض، يعجز الوصف عنه.
حين أُقبِل على الرياض، أقول: ما أحلى العودة إلى الوطن.
وحين أُقبِل على اليمن، أقول: ما أحلى العودة إلى الوطن.
هنا أناس يشبهونني، وهناك أناس يشبهونني أيضًا.
فمن أنا؟
من أين أتت هذه المرونة التي تجعلني أتقبل كل هذه الثقافات، والحضارات، والفنون؟
كيف لي أن أتّسع لهذا كله؟
أن أكون مرتبطة جدًا... ومرنة جدًا؟
حتى صادفتُ أمامي مصطلحًا بعنوان: أبناء الثقافة الثالثة.
ومن هنا بدأت رحلة البحث.
وفي هذه النشرة، أضع بين أيديكم ملخصًا بسيطًا لهذا البحث،
ومجموعة من المفاهيم المرتبطة به،
وأجوبةً عن أسئلةٍ طالما دارت في ذهني،
وتأملات مرامية لا تنتهي.
مفاهيم الهوية الثقافية المعاصرة: الهوية العابرة للثقافات، الثقافة الثنائية، الهوية الهجينة، وأبناء الثقافة الثالثة
في ظل العولمة المتسارعة وحركات الهجرة والانتقال الثقافي عبر الحدود، أصبح موضوع الهوية أكثر تعقيدًا وأهمية في السياق المعاصر. لم تعد الهوية الشخصية مفهوماً جامداً أو ثابتاً؛ بل بات يُنظر إليها كعملية ديناميكية مستمرة من البناء وإعادة البناء، يتفاعل الأفراد اليوم مع سياقات اجتماعية وثقافية متنوّعة، ما يؤدي إلى نشوء هويات جديدة تتجاوز حدود الانتماءات التقليدية. لقد أفرزت التحولات العالمية مفاهيم معاصرة للهوية الثقافية تشمل الهويات العابرة للثقافات، والهويات ثنائية الثقافة، والهويات الهجينة، بالإضافة إلى مفهوم أبناء الثقافة الثالثة. تعكس هذه المصطلحات أشكالًا مختلفة من الهوية التي تنشأ عندما يتفاعل الفرد مع أكثر من ثقافة واحدة. استعرض في هذه النشرة المفاهيم الأربعة، كما سأقدم مقارنة شاملة تبيّن نشأة كل مفهوم وبنيته وآثاره النفسية والاجتماعية والسياقات التي يوظَّف فيها.
أبناء الثقافة الثالثة (Third Culture Kids)
يشير مصطلح “أبناء الثقافة الثالثة” – ويُعرف اختصارًا بالإنجليزية بـ TCKs – إلى فئة من الأشخاص نشأوا خلال سنوات طفولتهم وتكوينهم الأولى في ثقافة مغايرة عن ثقافة آبائهم الأصلية بمعنى آخر، ينتمي هؤلاء الأطفال إلى ثقافة أولى موروثة (ثقافة الأسرة والآباء)، ولكنهم يقضون جزءًا مهمًا من طفولتهم في كنف ثقافة ثانية مختلفة (ثقافة المجتمع أو البلد المضيف الذي يعيشون فيه مع عائلاتهم).
نتيجة لهذا الوضع الفريد، تتشكل لديهم هوية خاصة مزيجة يمكن وصفها بأنها “ثقافة ثالثة” متميزة عن الثقافتين الأصلية والمضيفة صاغت عالمة الاجتماع الأمريكية روث هيل يوسيم (Ruth Hill Useem) هذا المصطلح في الخمسينيات من القرن العشرين أثناء دراستها لأبناء الدبلوماسيين والعاملين في الخارج، ولاحظت أن هؤلاء الأطفال يكتسبون مزيجًا من ثقافة أوطانهم الأصلية وثقافة البلد المضيف يشكّل هوية ثالثة خاصة بهم. ينتمي إلى هذه الفئة أبناء المغتربين عمومًا.
يتميز أبناء الثقافة الثالثة عادةً بانفتاح فكري وتقبّل عالٍ للتنوع، فقد تعرّضوا منذ صغرهم لتأثيرات ثقافية متنوعة، مما يمنحهم قدرة على التأقلم مع البيئات المختلفة والتواصل مع مختلف الجنسيات. غالبًا ما يكونون متعددي اللغات ويتمتعون بأفق عالمي واسع ونضج مبكر في فهم الاختلافات الثقافية.
في المقابل، يواجه العديد منهم تحديات هويوية خاصة بهم؛ إذ كثيرًا ما يساورهم شعور بعدم الانتماء الكامل إلى أي من الثقافتين (أو الثقافات) التي نشؤوا بينها. تصف الكاتبة روث فان ريكن (Ruth Van Reken) – وهي من أبرز الباحثين في موضوع الثقافة الثالثة تجربة الـ TCK بأنه يبني علاقات مع كل الثقافات التي مر بها، ولكن من دون امتلاك كامل “الملكية” لأي منها؛ فمع أن عناصر من كل ثقافة تتشرب في شخصيته، يبقى إحساس الانتماء النهائي مرتبطًا أكثر بأقرانه من الخلفية نفسها (أي أطفال ثقافة ثالثة آخرين)
لهذا السبب يوصف أبناء الثقافة الثالثة أحيانًا بأنهم "غرباء في كل وطن، وأبناء كل مكان"ومع ذلك، فإن فهم تجارب هؤلاء الأفراد قد أصبح أمرًا مهمًا بشكل متزايد مع ازدياد ظاهرة العولمة والتنقل عبر البلدان. وقد تم تطوير برامج دعم تربوية ونفسية لمساعدة أطفال الثقافة الثالثة على التعامل مع مشاعر الاقتلاع والحنين والتأقلم مع التغير المستمر، وكذلك للاستفادة من المزايا الفريدة التي يتمتعون بها، مثل مهارات القيادة في البيئات متعددة الثقافات، وكونهم جسورًا بين المجتمعات المختلفة.
الهوية ثنائية الثقافة (Bicultural Identity)
أما الهوية ثنائية الثقافة – والتي تعرف أيضاً بمصطلح الازدواج الثقافي فهي تعني امتلاك الفرد لانتماء ثقافي مزدوج والتعايش مع ثقافتين مختلفتين في آن واحد يشير هذا المفهوم إلى حالة يندمج فيها عنصران ثقافيان داخل شخصية الفرد نتيجة النشأة أو العيش بين ثقافتين. قد يكون ذلك حال أبناء المهاجرين الذين يربَّون في بلد جديد بينما يحتفظون بثقافة أسرهم الأصلية، أو الأفراد الذين ينشؤون في بيئات متعددة الثقافة.
يعرّف علماء النفس الهويةَ ثنائية الثقافة بأنها الحالة النفسية التي يتماهى فيها الشخص مع ثقافتين متميزتين في الوقت نفسه -أشعر أنني المقصودة هنا-
ينعكس ذلك في تبنّي قيم وعادات ولغتين وربما أنماط سلوك من كلتا الثقافتين. غالبًا ما يواجه أصحاب هذه الهوية تحدّي تحقيق التوازن بين مكوّني هويتهم؛ إذ قد يشعر الفرد بصراع داخلي في محاولة إرضاء متطلبات الثقافتين معًا على سبيل المثال، قد يجد الشخص ثنائي الثقافة صعوبة في الاندماج الكامل في المجتمع الجديد دون التضحية بجوانب من تراثه الأصلي، أو بالعكس قد يلاقي مقاومة من محيطه الأصلي إن تبنّى سلوكيات الثقافة الأخرى، ولكن في حالتي لم يكن هناك صراع كبير لإن الثقافتين كانتا متشابهتين
وتشير الدراسات إلى أن الازدواجية الثقافية يمكن أن تؤدي أحيانًا إلى ضغوط نفسية تعرف بـ"أزمة الهوية"، حيث يعاني الفرد من ارتباك عاطفي أو شعور بالانقسام مع ذلك، ليست ثنائية الثقافة وضعًا سلبيًا بالضرورة؛ فقد بينت أبحاث حديثة أن الأفراد ثنائيي الثقافة يمتلكون في أحيان كثيرة مهارات معرفية واجتماعية متطورة، مثل القدرة على التفكير الإبداعي والتكيف المرن والانفتاح على وجهات نظر مختلفة.
ويشير جون بيري (John Berry)، عالم النفس الكندي الرائد في نظريات التثاقف (acculturation)، إلى أن اتباع استراتيجية الاندماج – أي الحفاظ على عناصر الثقافة الأصلية بالتوازي مع تبنّي عناصر من الثقافة الجديدة – هو النهج الأمثل لتحقيق تكيف نفسي واجتماعي ناجح للمهاجرين وهذا الاندماج الثقافي الناجح يولّد هوية ثنائية الثقافة متوازنة تمنح صاحبها شعورًا بالانتماء المزدوج وفخرًا بثقافتيه معًا. بالتالي، تتسم الهوية ثنائية الثقافة ببنية مزدوجة لكنها متكاملة، وتشكّل جسراً بين جماعتين ثقافيتين، ما يؤهل أصحابها للعب دور الوسطاء الثقافيين وتعزيز التفاهم بين المجتمعات.
الهوية الهجينة (Hybrid Identity)
تُمثّل الهوية الهجينة شكلاً من الهوية الثقافية ينبثق من امتزاج عناصر متعددة من خلفيات ثقافية مختلفة، لتكوين هوية جديدة وفريدة تتجاوز حدود التصنيفات التقليدية. اشتُهر هذا المفهوم ضمن دراسات ما بعد الكولونيالية
"الكولونيالية (Colonialism) هي مصطلح يُشير إلى الاستعمار، أي النظام الذي تقوم فيه دولة قوية بالسيطرة على أراضٍ وشعوب خارج حدودها، غالبًا بالقوة، بهدف استغلال مواردها، وفرض ثقافتها، وهيمنتها السياسية والاقتصادية"
بفضل أعمال المنظر الهندي البريطاني هومي بابا (Homi K. Bhabha)، الذي قدّم مصطلح الهجنة الثقافية (Cultural Hybridity) وطرح فكرة الفضاء الثالث كحيّز تنبثق فيه معانٍ وهويات جديدة من تداخل الثقافات.
للوهلة الأولى قد يُفهَم مصطلح "الهجنة" على أنه مجرد مزيج أو "تلاقح بين شيئين أو أكثر؛ إلا أن طرح هومي بابا يكشف أن الهجنة ليست مجرد حلّ وسط أو دمج بسيط بين ثقافتين، بل هي عملية تفكيك وإعادة تركيب إبداعية تزعزع الحدود الفاصلة بين الهويات المستقرة. يوضح بابا أن الهجنة/الفضاء الثالث لا تعني مجرد “خلط بين عنصرين معروفين، وإنما تعمل كآلية لـمراجعة الخطاب المهيمن والتفاوض حول الانتماء. إنها فضاء جديد يولّد كيانًا ثالثًا مختلفًا عن أي من المصدرين الأصليين بهذا المعنى، ينظر هومي بابا إلى الهجنة بوصفها تطورًا للمقاومة الثقافية في وجه هيمنة الخطاب الاستعماري، حيث تظل أسئلة الهوية والانتماء مفتوحة وقابلة لإعادة الطرح في زمان ومكان جديدين. فالهوية الهجينة تتشكل عبر التفاوض المستمر بين مكونات متباينة، وهي بذلك ترفض فكرة الهوية النقية المتجانسة.
من الأمثلة على الهويات الهجينة ما نراه في المجتمعات ما بعد الاستعمارية أو في الشتات (Diaspora)، حيث يمتزج إرث المستعمر والمستعمَر لينتج ثقافة جديدة نابضة بالحياة ومتمرّدة على التصنيفات الجامدة. هذه الهوية المركّبة قد تكون سياسية وثقافية في آن واحد، تحمل عناصر من ثقافات متعددة لكنها لا تنصهر كليًا في أيٍّ منها، بل تحوّل عناصر الاختلاف إلى قوة إثبات للذات. إن صاحب الهوية الهجينة يعيش حالة من التعدد والانفتاح: فهو يستعير من تقاليد مختلفة ليخلق سرديته الخاصة، ويمارس فنّ "العيش في المسافات البينية" بتعبير بابا على الصعيد النفسي، قد يرافق هذه الهوية شعورٌ بالاغتراب أو "بين بين" نتيجة البعد عن أي إطار ثقافي أحادي، إلا أنها في الوقت ذاته تمنح صاحبها حرية فريدة في إعادة تعريف نفسه خارج القيود التقليدية، وتتيح مجالاً للإبداع والابتكار في صياغة الهوية. ل
قد أصبحت الهوية الهجينة إطارًا نظريًا مهمًا لفهم تجارب كثير من المجتمعات والأفراد في عالمنا المعولم، من الأدب والفن إلى حياة الشباب المولودين في كنف ثقافات متنوعة، فهي تعكس واقعًا بات فيه الامتزاج والتعدّد هو القاعدة لا الاستثناء.
الهوية العابرة للثقافات (Transcultural Identity)
تشير الهوية العابرة للثقافات إلى نمط من الهوية يتجاوز الانتماء إلى ثقافة واحدة محددة، ليتموضع في ملتقى ثقافات متعددة. صاحب هذا المفهوم نمو متزايد في عصرنا نتيجة التشابك العالمي بين المجتمعات والثقافات.
يرى الفيلسوف الألماني فولفغانغ فيلش (Wolfgang Welsch) مثلاً أن تشابك الثقافات الحديث يجعل الهويات الفردية ذات طابع تعددي متداخل أكثر من أي وقت مضى. فحياة الفرد المعاصر لم تعد محصورة ضمن حدود ثقافة وطنية واحدة؛ بل أصبحت أنماط العيش والقيم مرتبطة بشبكة عالمية تتخطى الجغرافيا.
على سبيل المثال، قد نجد الشخص نفسه يعيش بهوية ذات طابع “أوروبي” أو “عالمي” أكثر من كونها ألمانية أو هندية صرفة، وهكذا، الهوية العابرة للثقافات هي هوية شمولية ومتعددة الطبقات، يتشكل نسيجها من مزيج من الخيوط الثقافية المختلفة التي تتداخل فيما بينها.
يؤكد فيلش أن محددات الهوية الثقافية اليوم أصبحت عابرة للثقافات بالفعل، حيث لم يعد جواز السفر الوطني معيارًا كافيًا لتعريف هوية الفرد.
يتمتع صاحب الهوية العابرة للثقافات بقدرة على التأقلم والتواصل مع منظومات قيم وعادات متنوعة، وتتميز رؤيته للعالم بالشمولية والانفتاح.
هذه الهوية تتبلور غالبًا لدى من تعرضوا لمؤثرات ثقافية متنوعة بشكل مكثّف سواء عبر العيش في بيئات دولية، أو التواصل الرقمي العابر للحدود، أو الانخراط في ثقافات مختلفة عن ثقافة التنشئة الأصلية.
إن مفهوم الهوية العابرة للثقافات ظهر كاستجابة نقدية لمحدودية نماذج التعددية الثقافية التقليدية؛ فهو يدعو إلى فهم أكثر تداخلاً ووحدةً للتنوع الثقافي، حيث يُنظر إلى الفرد كمزيج ثقافي متحرّك وليس كسلسلة من الانتماءات المنعزلة هذا الفهم الجديد يشدد على الطبيعة الشبكية للهوية في العصر الحديث، ويدعو إلى مقاربة شاملة تضم مختلف الانتماءات بدل ترسيخ الفواصل بينها.
مقارنة الهويات الثقافية
التعريف
الهوية العابرة للثقافات: هوية تتشكل من انفتاح الفرد على مؤثرات ثقافية متعددة تتجاوز الحدود القومية
الهوية الثنائية: هوية تجمع بين ثقافتين غالبًا نتيجة للهجرة أو النشأة بين مجتمعين
الهوية الهجينة: هوية ناتجة عن تفاعل خلاّق بين ثقافات متعددة تُنتج دلالات جديدة
أبناء الثقافة الثالثة: أشخاص نشأوا في ثقافة غير ثقافة والديهم، ما أدى لهوية جديدة تمزج بين الاثنين
النشأة والتطور التاريخي
الهوية العابرة للثقافات: ظهرت في سياق العولمة ونقد النماذج الثقافية التقليدية، خاصة في التسعينيات
الهوية الثنائية: ظهرت مع دراسات التثاقف والهجرة في منتصف القرن العشرين
الهوية الهجينة: تطورت في سياق دراسات ما بعد الاستعمار والنقد الثقافي في التسعينيات
أبناء الثقافة الثالثة: ظهر المفهوم في خمسينيات القرن العشرين لدراسة الأطفال المرافقين لأهاليهم المغتربين
البنية والخصائص
الهوية العابرة للثقافات: بنية شبكية متعددة الثقافات، مرنة، وتخضع للتحول حسب السياق
الهوية الثنائية: بنية ثنائية النواة تتراوح بين التكامل والصراع حسب التجربة
الهوية الهجينة: بنية غير مستقرة، تتشكل باستمرار من تداخل عناصر ثقافية مختلفة
أبناء الثقافة الثالثة: هوية ثلاثية الطبقات تتكون من ثقافة الأسرة، وبيئة النشأة، والخليط الناتج
التأثير النفسي
الهوية العابرة للثقافات: مرونة نفسية عالية، مع احتمال شعور بعدم الانتماء لمكان محدد
الهوية الثنائية: إمكانية حدوث صراع داخلي أو ازدواجية في السلوك واللغة
الهوية الهجينة: إبداع مرتفع مقابل شعور محتمل بالاغتراب أو التوتر الداخلي
أبناء الثقافة الثالثة:مرونة واستقلال عالي، مقابل احتمال شعور بعدم الجذور أو فقدان الانتماء
التأثير الاجتماعي
الهوية العابرة للثقافات: تعزز التواصل بين الثقافات وتدعم التفاهم في البيئات العالمية
الهوية الثنائية: يعمل كحلقة وصل ثقافي في مجتمعه، وغالبًا ما يساهم في التفاهم بين الجاليات
الهوية الهجينة: دور بارز في التجديد الثقافي وكسر القوالب النمطية في الفنون والمجتمع
أبناء الثقافة الثالثة: يميلون ليكونوا وسطاء ثقافيين عالميين، ويبرعون في بيئات العمل الدولية
مثال
الهوية العابرة للثقافات: شخص نشأ في بلد، ودرس في بلد آخر، ويعمل ضمن بيئة دولية (مثل موظف في الأمم المتحدة)
الهوية الثنائية: ابن مهاجرين عرب نشأ في كندا ويتحدث العربية في البيت والإنجليزية خارجه
الهوية الهجينة: فنان يستخدم عناصر عربية وغربية في فنه مثل مغني الراب العربي الفرنسي
أبناء الثقافة الثالثة: ابن دبلوماسي أمريكي ترعرع في اليابان، ويشعر بالانتماء للعالم أكثر من وطن محدد
أسئلة مراميّة:
وهنا نأتي للأسئلة التي لا تنفك عني أحاول أن أجاوب عليها من منظور حيادي:
هل الهوية اختيار أم وراثة؟
الهوية الثقافية ليست أمرًا يُورث كملكية بيولوجية صمّاء، لكنها كذلك ليست اختيارًا حرًّا بالكامل، كأن نختار قميصًا من متجر.
ولا يعني اننا اذ ارتدينا زيا معينا اصبحنا حاملين لهويته وتاريخه إنما هي كيان يتشكل في نقطة التماس بين ما نُولد به وما نمرّ به.
علميًّا، تتكوّن الهوية من طبقات:
الأولى وراثية اجتماعيًا: اللغة الأم، الدين، القيم الأسرية، السلوكيات الأولية.
والثانية مكتسبة وتطورية: التجارب، الهجرات، الأصدقاء، التعليم، والمهنة.
وراثتنا الثقافية تمنحنا نقطة بداية، لكنها لا تكتب القصة حتى نهايتها.
قد نُولد يمنيين، أو سعوديين، أو فلسطينيين، لكن كيف نعيش هذا الانتماء؟ كيف نحمله؟ هذه هي المساحة التي يسكنها "الاختيار".فالهوية، كما تقول الباحثة دونا هاروَي، هي "مشروع قيد الإنجاز" – ليست بنية نهائية، بل قصة نعيد تحريرها مع كل عبور، كل وداع، كل حب، وكل خيبة.
هل يمكن أن ننتمي إلى أكثر من ثقافة دون أن نتناقض؟
أرى أنه ممكن لكن بشرط: أن نعيد تعريف "الانتماء" و"الانسجام".في النظريات الكلاسيكية، يُفترض أن كل ثقافة لها نظامها المغلق: ما يجوز وما لا يجوز، ما يُعتبر جميلاً وما يُعد غريبًا. وحين نحاول العيش في أكثر من نظام، قد يظهر التوتر، وحتى الصراع.
لكن الدراسات الحديثة – كأعمال جون بيري في التثاقف، وستيوارت هول في الهوية كـ"عملية"، وهو مي بابا في الهجنة – تؤكد أن التعدد لا يعني التناقض، بل التراكب.
نحن قادرون على أن نعبر عن انفسنا بأكثر من طريقة وبأكثر من هوية دون أن نكذب على أحد، ما نحتاجه هو مرونة ذهنية، واستعداد للتعايش مع المعايير المتعددة داخل الذات، الانتماء المتعدد لا يصنع انفصامًا إذا ما وُجدت فيه رؤية توحده.
كما أن اللغات واللهجات قد تكون جسرًا للمصالحة لا سدا للتناقض
ما الفرق بين أن تكون من بلد، وأن "تكون له"؟
الفرق هو العلاقة.أن تكون "من بلد" يعني أن يكون لك جواز سفر، شهادة ميلاد، وربما لهجة.
أما أن "تكون له"، فذاك عشق وانتماء ومصير.
أن تكون من اليمن، مثلاً، قد يعني أنك وُلدت فيها، لكن أن تكون لها، يعني أنك تحمل وجعها وفرحها، تعيد بناءها في خيالك، تسكنها حتى في منفاك، تخبئ ترابها في رسائلك، وتبكي حين يغنّون لها.
كما قال حسين المحضار:
حبي لها رغم الظروف القاسية رغم المحن
حبي لها أمي سقتنا اياه في وسط اللبن
الانتماء بالورقة لا يصنع الحنين، بينما الانتماء بالحب يصنع الشعر، والثورة، والهوية.
أن تكون "له" يعني أن هذا البلد يعيش فيك بقدر ما أنت تعيش فيه
أن تكون من الرياض شيء، وأن تقول "ما أرق الرياض تالي الليل" شيء آخر
أن تشاهد سهيل في سماءها وتتغني بها قائلا:
يا رياض يا تاج الخليج .. يا زهرة في خد الربيع
يا ضيا الفرح البهيج .. يا نجد يا أم الجميع
فالأولى معلومة، والثانية وجدان.
تأملات مرامية:
الهوية لا تُفرض علينا وحدها، بل نعيد كتابتها مع كل مدينة أحببناها، وكل لغة فكّرنا بها، وكل خسارة غيّرتنا.نستطيع أن ننتمي إلى أكثر من ثقافة حين نختار أن نكون جسرًا لا حدًّا.
لم أكن أفهم تهديد أبو بكر حين قال: "لا تعذبني، وإلا سِرت وتركت المكلا لك"
حتى ذهبت إليها، وعرفتها، وعرفت أنها تسكن في شعبها أكثر مما يسكنونها.كما يقولون دائمًا: "بعد المكلا... شاق."
حين أعيش جذوري، وأعرف من أنا، وما نسلي وتاريخي، أشعر بالدم يتدفق بحرارة في عروقي.
وحين أرى المكان الذي ترعرعت فيه، المكان الذي عشقته، أشعر بنبض قلبي أعلى.
هذا لم يكن تضادًا أبدًا،كان كأن تعيش مع والدتين: إحداهما ولدتك، والأخرى ربّتك.
أن تتسع لثقافتين، وتستمتع بهما، وتعبّر من خلالهما، لا خيانة فيه ولا انقسام.
لم أعد أراه اختلافًا، بل نعمة مزدوجة، وهويّة رحبة.
أن تحبّ ثقافتين بلا مفاضلة، وتتكلمهما معًا دون شعور بالانقسام،هو امتياز لا يعرفه من عاش في قالب واحد.
وكلما اختلطت الثقافتان في ملامحي أو لغتي أو روحي، شعرت أنني أكثر اكتمالًا، لا أكثر اضطرابًا.
وهذا ليس تناقضًا… بل اتساع.





الله يامرام! مدري الحلو تعبيرك وانتقاءاتك وشرحك، ولا اقتباساتك لأبو نورة وأبو أصيل؟
بالذات أغنيتي المفضلة مالي على الحب اعتراض بينت لي ذوقك الحلو، وأحب اذكرك أنتِ بنتنا زي ما أنتِ بنت اليمن.
شكرًا لكِ يا مرام على هذا المقال الرائع الذي لامس واحدة من اكبر المشكلات لدي ،وكنت اريد ان أتطرق لهذا الموضوع والحمد لله وجدت مقالك صدفةً … ازمة الهوية كثيرًا ما ترهقني ، أجد نفسي أفكر باستمرار: من أكون حقًا؟ هل أنا "أنا" فعلاً أم أنني مجرد انعكاس للعادات والثقافات التي شكّلتني؟
كسودانية ، بلدي يعتبر منبع لتعدد الثقافات والأعراق بل حتى اللغات إذ يتكون من السكان الأصليين والقبائل العربية المهاجرة والقبائل الإفريقية لذلك تري كثيرا من السودانيين بملامح وسحنات مختلفة ، لدرجة السؤال المتداول بعد إلقاء التحية لشخص جديد هو: "إنت من وين؟" وكما ذكرتُ، هناك لغات خاصة بكل قبيلة، نُسميها بـ"الرُطانة " و غالبًا ما تنشأ أزمة الهوية بين الانتماء للقبيلة والانتماء للدولة أو "المواطنة"، كما قال الكاتب والباحث السوداني د. غسان علي عثمان:
"عندما تغيب الدولة، تظهر القبيلة؛ اهتمام السودانيين بالبحث عن أصولهم القبلية والعرقية دليل حاسم على عدم تجذر فكرة الدولة، وغياب معنى المواطنة." وبحكم انتقالنا إلى بلدي الثاني السعودية والتعرف على ثقافة
هذ البلد الجميل والدراسة فيه لسنوات طويلة اصبح الموضوع معقدًا جدًا ، هل تُبنى هوية الإنسان على ما نشأ عليه؟ أم على ما عاشه ومرّ به؟ ف فأبناء الثقافة الثالثة، رغم ما يحملونه من مزايا جميلة كالتنوع والانفتاح، وسهولة تعلم اللغات، والإبداع، وتقبّل الآخر إلا أنهم يواجهون جانبًا صعبًا في مسألة تحديد الهوية
من نحن حقًا؟
رايت منشورًا منذ فترة في إنستقرام وهو ما فتح عيني على موضوع أبناء الثقافة الثالثة وهو شخص كان يتحدث عن كاتب وروائي تنزاني من اصل حضرمي حامل للجنسية البريطانية اسمه : عبد الرزاق قرنح ، ويتحدث عن معضلة أبناء الثقافة الثالثة قائلاً ( إن أمثالي - يقصد أبناء الثقافة الثالثة - مشغولون كل حين بسؤال إثبات الكينونة، وإن هذا السؤال قائم في كل الاتجاهات ، يقول هو: إنه قضى خمسين سنة من حياته في بريطانيا ، وما زال سيأخذ جواز سفره عند خروجه من منزله في حال حدوث حريق ليثبت أن له حقا بكونه هناك في تلك اللحظة ويضيف : وإنه إن كان في زنجبار، التي غادرها قبل خمسين سنة، سيحتاج كذلك إلى أن يبرر صلته بأرضه ، ليؤكد دوما أنه ابن هنا وابن هناك )!الاختزال أو خوف الاختزال الذي يشعر به أبناء الثقافة الثالثة لم يعبر عنه أحد بمثل إجابة عبدالرزاق قرنح .
أدعو الله ان يحفظ شعوبنا من الفتن والحروب ويديم على السعودية نعمة الامن والأمان .. وشكرًا لك على مشاركة هذا الموضوع لانه قلّ من يتحدث عنه ..
وكذلك أحبُ اليمن واليمنيين وأرغب في تجربة اكلهم من قلب اليمن باذن الله ❤️