كيف يحتفظ الجسد بذكريات لا يتذكرها العقل؟
قراءة في تخزين الجسد ما ينساه العقل
أحيانًا يكون الخوف حاضرًا، بينما يغيب سببه.
تدخل مكانًا آمنًا، ومع ذلك تشعر بأن عليك الهرب. يعتذر إليك أحدهم بلطف، فتتهيأ داخلك لمعركة خفية. تحب إنسانًا، لكنك تتصرف كأن الحب باب للأذى. تجلس في هدوء، فيبدأ جسدك بالقلق، وكأن الطمأنينة نفسها أمر لا يُؤمَن.
تحدثني إحدى الصديقات أنها عاشت زمنًا طويلًا تؤرقها فيه لحظات الصمت المصحوبة بانقطاع التواصل البصري؛ فتبدأ بالتوتر، ويشتد خفقان صدرها، وتنتابها نوبات خفيفة من الهلع.
نشأت على هذا الصمت؛ صمتٍ كان يأتيها على هيئة عقابٍ أو هجرٍ عاطفيٍّ مبهم، تعقبه نوباتُ غضبٍ عارمة، تنتهي في الغالب بجرحٍ عميقٍ في نفسها.
كبرت، وهي تترقّب في كل موقفٍ نظرةً تطمئنها. تنتظر من مديرها أن يلتفت إليها، أن يثبت نظره في عينيها، ليؤكد لها أن كل شيء على ما يرام، وأن هذا الصمت لا يخفي غضبًا، ولا يسبق انفجارًا.
وإذا ارتفع صوتٌ أو اشتد غضب، تشنّج جسدها، كأن الخطر عاد فجأة.
كانت تسأل نفسها دائمًا:
لماذا أنا هكذا؟
حتى تعلّمت أن تعود إلى جسدها، أن تُنصت إليه، وأن تُهدّئ جهازها العصبي بدل أن تجادله.
وهنا يلتقي السؤال الشخصي بما يثيره الكتاب:
أن تسأل نفسك في صمتٍ صادق:
لماذا أنا هكذا؟
والأعجب أن العقل لا يملك جوابًا واضحًا. لا حادثة محددة تتذكرها، ولا مشهدًا تستطيع أن تشير إليه، وإنما شعور قديم يسكنك، كأنه أسبق منك، وكأن جسدك يعرف شيئًا عجزت ذاكرتك عن استحضاره.
من هنا يبدأ كتاب جسمك يتذكر كل شيء للطبيب النفسي بيسيل فان دير كولك، بسؤال بالغ القسوة والصدق:
كيف يحتفظ الجسد بذكريات لا يتذكرها العقل؟
تصف جيسيكا ستيرن أثر الصدمة بقولها:
«تتدفق حيوات بعض الناس على ما يبدو في شكل سردية، أما حياتي فلها العديد من التوقفات والبدايات. ذلك ما تفعله الصدمة. تعترض الحبكة… تحدث فحسب، ثم تستمر الحياة. لا أحد يُجهّزك لها.»
هذه الشهادة تكشف طبيعة الصدمة كما يعرضها الكتاب؛ فهي لا تأتي دائمًا في صورة ذكرى واضحة يمكن استعادتها، وإنما تظهر في انقطاع التجربة، واضطراب الإحساس بالزمن، وتكرار الاستجابة كأن الحدث ما يزال قائمًا.
ويعرض المؤلف حالة “توم”، الذي عاش بعد الحرب في يقظة دائمة، تتسلل إلى نومه كوابيس متكررة، ويلازمه توتر لا ينفك عنه، حتى في لحظات الأمان. كان يستجيب وكأن الخطر حاضر، ويعيش آثار التجربة في جسده وسلوكه اليومي، رغم أن الحدث نفسه قد مضى..
هذه الفكرة تغيّر فهم الإنسان لمعاناته؛ لأن الألم لا يرتبط بما وقع فقط، وإنما بما بقي حيًّا في الداخل.
قد تنتهي الحادثة، ويبقى أثرها يعمل بصمت.
حين يتعرض الإنسان لصدمة نفسية شديدة، خاصة في سنوات الطفولة الأولى، يعود الدماغ إلى مهمته الأولى: البقاء.
تنشط اللوزة الدماغية، وهي المسؤولة عن رصد الخطر، فيغمر الجسد هرمون التوتر والاستنفار، وتتراجع القشرة الجبهية التي تتولى التحليل المنطقي واتخاذ القرار.
لهذا لا تُحفظ الصدمة دائمًا في صورة قصة مرتبة يمكن روايتها، وإنما تُخزَّن في هيئة إحساس خام: خوف، تجمد، انقباض، ارتجاف، أو رغبة دائمة في الهرب.
الطفل لا يقول: أنا أعيش تهديدًا نفسيًا.
لكنه يتعلم، في صمت كامل، أن العالم غير مأمون، وأن الحب قد يأتي مشروطًا، وأن الصمت قد يسبق الانفجار.
وهذه أخطر أنواع المعرفة؛ لأنها لا تُقال، وإنما تصبح جزءًا من التكوين.
ولهذا قد يكبر الإنسان وهو يعتذر أكثر مما ينبغي، ويخاف من الخطأ خوفًا يفوق حجمه، ويشعر بالذنب عند الراحة، ويدخل العلاقات مستعدًا لفقدها قبل أن تبدأ.
المسألة أعمق من طبع شخصي أو حساسية زائدة كما يصفها الناس، فهي جهاز عصبي تعلّم مبكرًا أن النجاة أهم من الطمأنينة.
ولهذا يذكر فان دير كولك أن ضحايا الصدمة يعانون من استرجاع جسدي دائم للحدث.
الأرق، واضطرابات الهضم، ونوبات الهلع، وشدّ الكتفين، والانفصال عن الذات، والتعب المزمن؛ كلها قد تكون لغة الجسد حين يعجز الكلام.
فالجسد يتحدث بطريقته الخاصة.
وحين يصبح الماضي حاضرًا داخل الجهاز العصبي، يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين ما كان وما هو كائن الآن.
ولهذا لا يبدأ العلاج دائمًا من الكلام.
قد يفهم الإنسان بعقله أن الخطر انتهى، لكن جسده لم يتعلم ذلك بعد. يمكنك أن تردد لنفسك ألف مرة أنك بخير، بينما قلبك ما يزال يرفض التصديق.
ومن هنا تأتي أهمية العلاجات التي تعيد للجسد شعوره بالأمان: كالتنفس الواعي، والعلاج بالحركة، واليوغا، وإعادة معالجة الصدمة عبر حركة العين (EMDR)، والعلاقات الآمنة التي تمنح الإنسان فرصة اختبار الطمأنينة دون خوف.
فالشفاء هو أن يتعلم الجسد أن الحاضر ليس امتدادًا دائمًا للماضي.
وهذا من أصعب مراحل التعافي.
أشد ما في الصدمة أنها لا تسكن الحوادث الكبرى وحدها، بل تختبئ في التفاصيل الصغيرة التي نظنها مجرد طبع شخصي:
في طريقة الجلوس،
وفي شدّ الفك،
وفي الخوف من الحب،
وفي الحاجة المفرطة إلى السيطرة،
وفي العجز عن الراحة،
وفي الشعور الدائم بأن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث.
ولهذا فإن سؤال:
لماذا أنا هكذا؟
قد يكون في حقيقته سؤالًا عن ذاكرة لم تُروَ بعد.
العقل ينسى أحيانًا طلبًا للحماية، والجسد يحفظ الأثر للسبب نفسه.
وفهم الصدمة هو فهم للطريقة التي ما يزال بها الماضي يعيش في الحاضر.
ومن هنا تبدأ الرحلة الأصعب:
أن تتصالح مع بيتك الأول.
جسدك.
أن تتعلم كيف تسكنه من جديد، بوصفه وطنًا يستحق السلام.

