الذكاء الاصطناعي: بين أداة تسهيل ذكية ووسيلة لتعفن الدماغ
نظرة حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الابداع البشري
قصة...
أعمل في تطوير المشاريع منذ خمس سنوات
في عام 2021، كنت مبتدئة، أو كما يُقال في بيئة العمل "Junior"
كنت آنذاك أستخرج الأفكار التطويرية للمشاريع بالطريقة التقليدية: أبدأ بالبحث والدراسة، ثم أطور أفكارًا موجودة، وأبتكر مفهومًا إبداعيًا جديدًا، يلي ذلك كتابة الفكرة بصياغة مرتّبة، وتصميم النص بطريقة جذابة بصريًا، مع بعض المهام الجانبية الأخرى، وهكذا يولد عرض فني شامل، وكانت هذه المهمة تستغرق مني ما لا يقل عن خمسة أيام عمل.
لكن مع مرور الوقت، تزايدت المشاريع من كل حدب وصوب: مشاريع قادمة، وأخرى سارية، وبعضها على وشك الانتهاء، وهنا ضاقت المدة، وتقلّصت الفترة الزمنية المتاحة لإنجاز العرض الفني، حتى وجدت نفسي مطالَبة بإنهاء العرض في يومين فقط! من خمسة أيام إلى يومين؟ كان ذلك ضربًا من الجنون.
وهكذا، في عامي 2024 - 2025، وبعد مرحلة طويلة من ازدراء أدوات الذكاء الاصطناعي – وفي مقدمتها ChatGPT – خضعتُ لها أخيرًا، لمساعدتي على الإنجاز أمام الوقت الضيق
ومن هنا لم تعد الحياة كما كانت
فمرحلة الدراسة والتطوير والابتكار لم تعد تحتاج لأيام؛ بل ضغطة زر تكفي، أصبحتُ أوجّه العملية بدل أن أقوم بها، وأحصل على نص مصاغ بعناية، وخطة تنفيذ جاهزة، وآلية مكتملة.
ياللمعجزة!
ولكن...
حدث ما لم يكن في الحسبان.
حين قررت – بإرادتي هذه المرّة – أن أمتنع عن استخدام هذه الأدوات التي أدمنتها، وجدت نفسي عاجزة عن الكتابة كما كنت، أصبحت الكلمات متفرقة، ومجوفة وبلا روح، وكأنني أفرغ ما في ذهني لأتخلص منه، لا لأبني به فكرة أو نص، اختفى التلذّذ بالصياغة، وتبخّر ذلك الشغف القديم في اختيار المفردة الأنسب، والعبارة الأجمل.
فبدأت أتساءل:هل يسبّب الذكاء الاصطناعي حقًا تعفّنًا في الدماغ؟هل يُحدّ من الإبداع البشري؟
ومن هنا بدأت رحلة البحث.
يشهد العالم اليوم تصاعدًا متسارعًا في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجالات الإبداعية والمعرفية، وهو ما أثار تساؤلات عميقة حول أثر هذه الأدوات على الإبداع، والتفكير النقدي، ونشاط الدماغ نفسه،في هذه المراجعة التأملية، أستعرض أبرز ما توصّلت إليه الدراسات الحديثة بشكل مختصر جدًا، من خلال أربعة محاور:
الإبداع البشري في ظل الذكاء الاصطناعي
التصور الذاتي للإبداع عند استخدام الأدوات التوليدية
التفكير النقدي والاعتماد على الذكاء الاصطناعي
النشاط العصبي والذهني أثناء استخدام هذه الأدوات
الإبداع البشري في ظل الذكاء الاصطناعي
مع تصاعد وتيرة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، بدأتُ أتساءل إن كنا نعيش ثورة إبداعية أم ندخل تدريجيًّا في زمن التشابه؟
ليس لأن الإبداع توقف، بل لأنه – ربما – أصبح يُولد في غرف واحدة، بأدوات واحدة، ولغايات متقاربة.
عدد متزايد من الأبحاث يحاول فكّ هذا اللغز (هل الذكاء الاصطناعي يعزّز قدراتنا الإبداعية فعلًا؟ أم أنه يصهر اختلافاتنا في قالبٍ واحد؟)
واحدة من أبرز الدراسات الحديثة التي أثارت انتباهي نُشرت عام 2024 في مجلة Science Advances. فيها، طُلِب من مئات المشاركين كتابة قصص خيالية قصيرة من ثماني جُمل، وقُسّموا إلى ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى كتبت دون أي مساعدة
المجموعة الثانية تلقت فكرة واحدة مقترحة من نموذج لغوي كالـ ChatGPT
المجموعة الثالثة كان بإمكانها توليد حتى خمس أفكار مقترحة
النتائج كنت لافتة فالقصص التي كُتبت بمساعدة الذكاء الاصطناعي كانت أكثر جودة، أكثر إمتاعًا، وأكثر إبداعًا – في نظر القرّاء، واللافت أكثر أن هذا التحسّن كان واضحًا عند الكتّاب الذين وُصفوا بأنهم "أقل إبداعًا" من غيرهم؛ إذ ساعدهم الذكاء الاصطناعي على إنتاج نصوص تضاهي من هم أكثر براعة بطبيعتهم، سُمّي هذا الأثر بـ "تسوية ساحة اللعب" كأن الذكاء الاصطناعي صار يدًا خفية تمسك بيد من يتعثّر، وتمنحه فرصة للظهور. لكن، كما في كل شيء… هناك وجه آخر.
نفس الدراسة لاحظت أن القصص التي وُلدت عبر مساعدات الآلة كانت أكثر تشابهًا، وأقل تنوعًا من تلك التي كُتبت بشكل مستقل أي صحيح أن الفرد تحسّن، لكن الجماعة بدأت تتشابه.
وصف الباحثون هذا التحدّي بأنه معضلة اجتماعية: كل كاتب، بمفرده، لديه حافز لاستخدام الذكاء الاصطناعي لأنه يحسّن من جودة عمله، لكن إن فعل الجميع الأمر ذاته، فقد نفقد شيئًا ثمينًا: اختلافنا.
هذا لا يقتصر على الكتابة، فأيضا في الفنون البصرية، نُشرت دراسة أخرى عام 2024 في دورية PNAS Nexus حلّلت أكثر من 4 ملايين عمل فني رقمي، أُنتجت من قبل نحو 50 ألف فنان قبل وبعد استخدامهم أدوات الذكاء الاصطناعي. النتائج؟ ارتفعت إنتاجية الفنانين بنسبة 25%، وازدادت إعجابات الجمهور بنسبة 50%. أي أن الأداة زادت من الكفاءة، ورفعت من مستوى التفاعل العام.
لكن في التفاصيل يكمن العجب!
رغم أن بعض الأعمال وصلت إلى قمم من التفرّد، إلا أن متوسط التجديد البصري انخفض. صار هناك نمط واضح، قالب بصري متكرر، كأننا نرسم بريشة واحدة، حتى لو اختلفت الأيادي. انخفض ما يسمّيه الباحثون بـ "الحداثة الأسلوبية" لا من قلّة الإبداع، بل من كثرة الاعتماد على نفس المحرّك. ومع ذلك، كشفت الدراسة جانبًا مشرقًا: إذ تمكّن الفنانون الذين استغلوا الأداة بشكل إبداعي من نيل تقدير أعلى، حتى لو لم يكونوا معروفين مسبقًا، وساهم الذكاء الاصطناعي في كسر احتكار الشهرة وتوزيع الضوء على شريحة أوسع من المبدعين، فيما وصفه الباحثون بـ"التآزر التوليدي" بين الإنسان والآلة.
التصور الذاتي للإبداع عند استخدام الأدوات التوليدية
رغم التحسينات الملموسة التي قد يضيفها الذكاء الاصطناعي إلى جودة المنتج الفني أو الأدبي، إلا أن هناك بُعدًا نفسيًا بالغ الأهمية غالبًا ما يُغفل: كيف نشعر تجاه إبداعنا حين نستخدم هذه الأدوات؟ هل تجعلنا نشعر بأننا أكثر إبداعًا؟ أم أنها تنزع عنا تلك النشوة الذاتية التي كنا نعرفها حين كنا نُبدع بأنفسنا، من دون عون آلة؟
هذا السؤال تناولته دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة Journal of Creative Behavior. استطلعت الدراسة آراء 273 مشاركًا من أصحاب الخبرة في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن مجالات إبداعية متنوعة، مثل الكتابة، والرسم، والموسيقى، ولم تكتفِ بقياس نتائجهم، بل أرادت أن تفهم كيف يرون أنفسهم: ما مدى ثقتهم بقدرتهم على الإبداع؟ وهل يُشكل الإبداع جزءًا محوريًا من هويتهم الشخصية؟ ثم قارنت بين تقييمهم لإبداعهم بشكل عام، وتقييمهم لإبداعهم أثناء استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
النتائج كشفت عن فجوة واضحة، يصعب تجاهلها. معظم المشاركين رأوا أنفسهم أكثر إبداعًا عندما لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي، حتى لو كانت مخرجاتهم بوجوده أكثر إبهارًا، هذا الفارق لم يكن مجرد شعور عابر، بل كان فارقًا ذا دلالة إحصائية.
وبعبارة أكثر مباشرة: استخدام الذكاء الاصطناعي قد يولّد شعورًا داخليًا بأن الإبداع لم يعد "كليًا" لنا، كأن هناك طرفًا ثالثًا – آلةً صامتة – تشاركنا ما كنا نظنه مساحة خاصة، مملوكة لخيالنا وحده.
وهذا الشعور، كما بيّن الباحثون، له تأثير عميق، لأنه يمسّ الدافع الأساسي الذي يدفعنا نحو الإبداع: الشعور بالرضا، والاعتزاز، والامتلاك. وهكذا أظهرت البحوث أن الناس يشعرون بأنهم أقل إبداعًا عند استخدام الذكاء الاصطناعي في المهام الإبداعية مقارنةً بعدم استخدامه صحيح أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في تسريع الوصول إلى نتائج إبداعية، لكنه لا يجعلنا بالضرورة نشعر بأننا أكثر إبداعًا.
الدراسة لم تقف هنا، فهناك تحليلات أعمق تشير إلى نتيجة قد تكون مثيرة للقلق على المدى البعيد: الإفراط في الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي قد يرتبط بتراجع الإنجاز الإبداعي الواقعي للفرد، إذا بدأ يشعر – ولو لا شعوريًا – أن الإبداع يُنسب للأداة أكثر مما يُنسب إلى ذاته.
التفكير النقدي والاعتماد على الذكاء الاصطناعي
إلى جانب الإبداع، يُعد التفكير النقدي من أبرز القدرات الذهنية التي قد تتأثر بتزايد الاعتماد على التقنيات الذكية.
فالتفكير النقدي هو القدرة على التحليل والتقييم لاتخاذ قرارات واعية مبنية على أسس منطقية، وقد تساءل باحثون مؤخرًا: هل يؤدي استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لحل المشكلات أو البحث عن المعلومات إلى تراجع هذه القدرة؟
دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة Societies حاولت استكشاف هذا الأثر، من خلال استبيانات ومقابلات شملت 666 مشاركًا من خلفيات عمرية وتعليمية متعددة. ركزت الدراسة على مفهوم "التفريغ المعرفي" (Cognitive Offloading)، أي ميل الأفراد لإسناد المهام الذهنية إلى مصادر خارجية، مثل محركات البحث أو أدوات الذكاء الاصطناعي، بدلًا من القيام بها ذاتيًا.
أظهرت النتائج وجود علاقة سلبية واضحة: فكلما زاد اعتماد الفرد على الذكاء الاصطناعي، كلما تراجعت قدرته على ممارسة التفكير النقدي المستقل،
لماذا؟ بسبب "التفريغ المعرفي" وهو العامل الوسيط في هذا التراجع. الاعتياد على استقبال الإجابات الجاهزة يقلل من تمرين "عضلات" العقل، ويُضعف مهارات التحليل والتقييم بمرور الوقت.
كما كشفت الدراسة فروقًا ديموغرافية مهمة؛ فالمشاركون الأصغر سنًا – ممن نشأوا في بيئة رقمية – أظهروا اعتمادًا أكبر على الأدوات الذكية، وسجلوا درجات أدنى في التفكير النقدي مقارنةً بالأكبر سنًا. في المقابل، ارتبط ارتفاع المستوى التعليمي بتحسّن هذه المهارات بغض النظر عن استخدام التقنية، مما يدل على دور التعليم في الحماية من أثر الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي. خلصت الدراسة إلى ضرورة تطوير استراتيجيات تعليمية تُنمّي مهارات التفكير النقدي بالتوازي مع استخدام التكنولوجيا، لضمان توازن صحي بين الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي وممارسة الإنسان لوظائفه الذهنية الأساسية.
النشاط العصبي والذهني أثناء استخدام هذه الأدوات
لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على سلوكنا أو إبداعنا أو قدرتنا على التفكير فقط، بل يمتد – كما تُشير بعض الدراسات الحديثة – إلى نشاط الدماغ نفسه أثناء استخدام هذه الأدوات.
في دراسة تجريبية أجراها باحثو معهد MIT عام 2025، تم قياس نشاط الدماغ باستخدام تقنية EEG أثناء قيام مجموعات من المشاركين بمهام كتابية، إما بمساعدة نموذج لغوي كالـ ChatGPT، أو باستخدام محرك بحث، أو بالاعتماد على قدراتهم الذاتية فقط.
النتائج كانت واضحة: المجموعة التي كتبت دون أي مساعدة أظهرت أعلى درجات النشاط العصبي والترابط الدماغي، تليها مجموعة محرك البحث، فيما جاءت مجموعة الذكاء الاصطناعي في المرتبة الأخيرة من حيث انخراط الدماغ. كلما زاد الاعتماد على الأداة، قلّ نشاط الدماغ في المناطق المرتبطة بالتركيز والتحليل.
وصف الباحثون هذا الأثر بـ"الدين المعرفي": راحة مؤقتة، يقابلها كسل عقلي متراكم.
وعند تبديل الأدوات، تبيّن أن من اعتادوا على الذكاء الاصطناعي أولًا عانوا في تفعيل أدمغتهم لاحقًا عند الكتابة بدونه، بينما من بدأوا بالجهد الذاتي ثم استخدموا الأداة لاحقًا، ظلّوا يحتفظون بنشاط ذهني جيد، بل تحسّن أداؤهم بالدمج بين العقل والتقنية.
هل ما زلت أكتب؟
حين بدأت هذه الرحلة، كنت أبحث عن إجابة لأسئلة بسيط: لماذا لم أعد أكتب كما كنت؟
لماذا عندما اريد ان ابحث استسهل سؤال chatGPT وفقدت الاستمتاع في البحث؟
حتى عند قراءة نصوص طويلة يباغتني الملل في منتصف النص وإذ بي أطلب من الذكاء الاصطناعي أن يختصر لي! وكانت تلك القشة التي لم تُسقط البعير... بل أيقظته.
لكن مع البحث ما وجدته أعمق من ذلك بكثير.لقد كشفت الأبحاث أن الذكاء الاصطناعي لا يغيّر فقط أدواتنا، بل يغيّرنا نحن، يُعيد تشكيل طريقة تفكيرنا، شعورنا، بل وطريقة عمل أدمغتنا.
ولذلك، فإن المسألة ليست رفضًا للتقنية، ولا حنينًا إلى الورق والقلم، بل دعوة إلى وعي جديد:أن نحسن استخدام الأداة دون أن نفقد أنفسنا فيها.
أن نكتب، ونفكّر، ونبتكر... لا لأن الذكاء الاصطناعي يسهّل الطريق، بل لأن عقولنا ما زالت قادرة على الإبداع.
ملاحظة هزلية: هذه المقالة لُخصت وحُققت ودُققت لغويا من قبل chatGPT وهذا إحقاقا للحق حتى لا تغزونا الالات ويأخذ بثأره مني….
مراجع:






مقالة رائعة، تساؤل كان في بالي هاليومين
خصوصاً في نقطة الرؤية الذاتية لانها تتعلق بموقف حدث معي، في بداياتي الحديثة جداً كنت اواجه مشاكل errors فالكود ومشاكل في تطبيقات وكنت اخذ ايام لحلها احياناً، وعند حل المشكله…ياله من شعور لذيذ بالانجاز! نشوة للنخاع!
ولهذا غالباً المهندس والمبرمج يتحلى بمهارة الproblem solving بطبيعة هذه المواقف
ولاكن في اخر سنتين ومع استخدام الAI اعتمد عليه في حل المشاكل
واجهتني مشكلة امس واتبعت معه الحل خطوة بخطوة، تعقد الوضع قليلاً، لاكنني فعلتها! حللت المشكلة! حللتها…؟ هل فعلاً انا حللتها ام الذكاء الاصطناعي ؟
لا، انها ليست تلك النشوة ولا الشعور بالانجاز مجدداً…
جميل جداً 🖤 استمتعت وانا أقرأه والكلام فعلا حقيقي